محمد متولي الشعراوي

9648

تفسير الشعراوي

أخرى للثواب وللعقاب ما أنزل الله بها من سلطان ، فانقلبتْ الموازين ، حيث تبجح الكسالى ، وأُحْبِط المجدُّون المحسنون . { حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً } [ الكهف : 90 ] . هذا كُلُّ ما أخُبر الله به ، ويبدو أنه وصل في تجواله العام إلى بلاد تظل الشمس بها مشرقة ثلاثة أو ستةَ أشهر لا تغرب ؛ لذلك لم يجد لهم من دون الشمس ستْراً يسترها أيْ ظلمة { حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } [ الكهف : 93 ] . ومع ذلك احتال أن يفهم منهم ، ويخاطبهم ؛ لحرصه على نفعهم وما يصلحهم ، وهذه صفة الحاكم المؤمن حين يُمكَّن في الأرض ، وتُعطَى له أسباب القيادة ، ويُفوَّض في خَلْق الله ، ولو لم يكُنْ حريصاً على نفعهم لوجد العذر في كونه لا يفهم منهم ولا يفهمون منه . فلما توصلوا إلى لغة مشتركة ، ربما هي لغة الإشارة التي نتفاهم بها مع الأخرس مثلاً : { قَالُواْ يا ذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً } [ الكهف : 94 ] . ثم أمرهم أن يأتوا بقطَع الحديد ، فأشعل فيها النار حتى احمرَّت فقال { آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } [ الكهف : 96 ] وهكذا صنع لهم السدَّ الذي يحميهم من هؤلاء القوم ، فلم يَقصُر نفعه لهم على هذه القضية ذاتها ، إنما نفعهم نَفْعاً يعطيهم الخير والقوة في ألاَّ يتعرضوا لمثلها